بقلم الكاتبة اسمهان الماجري||جمعية قليبية للثقافة و الفنون و التراث تحتفي بالشاعر عادل المعيزي.





 جمعية قليبية للثقافة والفنون والتراث تحتفي بالشاعر عادل المعيزي.


أسمهان الماجري

السبت 27 سبتمبر 2025 تم تقديم كتاب "البعيدة كتاريخ راهن للشاعر عادل المعيزي برواق الفنون بدار الثقافة نور الدين صمود. واللقاء كان من تنظيم جمعية قليبية للثقافة والفنون والتراث "cap kélibia ". وهي جمعية تقوم بعشرات الأنشطة في الأدب والفلسفة والفنون التشكيلية والتراث سنويا وبكثافة. ودائما ما تجمع ما بين معرض للفنون التشكيلية وتقديم كتاب ما. لذلك رافق التقديم معرض تكون من لوحات الرسام شهاب حميد الحاضن الجمالي والمكاني لهذا اللقاء، ولقد تميز هذا اللقاء أيضا بحضور موسيقي مميز للفنّان عادل بوعلاق وحضور للصحفي سفيان العرفاوي الذّي أدار الجلسة اضافة للأديبة رشيدة الشارني التي قدمت المداخلة الافتتاحية حول المنجز الشعري للمحتفى بھ الشاعر الكبير عادل المعيزي. اذ قدمت محطات من مسيرتھ التي انطلقت منذ نھايةعقد الثمانينات وكانت حافلة بالإبداع والكتابة . ومما جاء في مداخلة رشيدة الشارني نذكر: "إنّ الاهتمام بالأحداث العالمية والقضايا العامة ليس جديدا على عادل معيزي، فهو شاعر منشغل بالعذابات الإنسانية الكبرى، والمعاناة الاجتماعية التي تعيشها الطبقات المسحوقة داخل الوطن، ولا يكتفي بالفرجة على المحرقة من برجه العاجي حتى يكتب عنها، بل يعيش المحنة، ويخوض حروبها ويلتحم بتفاصيلها ويحترق بنارها، والأهم من ذلك أنه يحافظ على القيمة الفنية للقصيدة حين يكتب، بل يرتقي بالتجربة إلى مستوى فلسفي عبر توليد المعنى وطرح الأسئلة الوجودية الكبرى .  
لم يتغيّر عادل معيزي منذ عرفته في بداية التسعينات، كان ضمن موجة صاخبة من الشعراء والأدباء القادمين من المدن والقرى الداخلية المقصية البائسة نحو تونس العاصمة...استمعت إليه وهو يلقي قصائده على منصات دور الثقافة، واتحاد الكتاب، ونادي الطاهر الحداد، والمركز الثقافي الحسين بوزيان ثمّ بمركز "ألتايير" بالمنزه الخامس... كنا نخطو الكلمات في وقت واحد، في عالم مزدحم بالأسماء اللامعة في الشعر والسرد وننشر على الصحف والمجلات التونسية والعربية نصوصنا الأولى. 
كان عادل المعيزي من أبرز شعراء جيله، ذلك الجيل الحامل لانكسارات كبيرة وقضايا مسكوت عنها، وأحلام بلا حدود، كان متمردا على المألوف والموجود وعلى القصيدة العمودية وشعراء الطليعة و خاصة على شعراء السلطة المهيمنين على المشهد الشعري آنذاك والذين يحارب بعضهم كل صوت جديد خارج منظومة الولاء التي ينتمون إليها ...  
كان عادل معيزي ضمن هذه الموجة الصاخبة يعد من أكثر العناصر الثائرة ضد الهياكل الثقافية الرسمية والمتزعمة لحركة الإصلاح ، فقد ثار ضد اتحاد الكتاب، وساند الشعراء الذين يستوجب وضعهم المساعدة الاجتماعية ...ودعا إلى مؤتمر وطني للثقافة والإبداع ، ثمّ إلى تأسيس مجلس أعلى للثقافة ... وكان من ضمن المؤسسين لنقابة كتاب تونس قبل نصف عام من اندلاع الثورة، وأخيرا دعا إلى التجديد في برنامج الباكلوريا واستبدال أدب محمود المسعدي بأسماء أخرى لا تقل عنه أهمية، مواكبة للحداثة والقضايا الراهنة... والآن يتولى على صفحته متابعة أطوار رحلة أسطول الصمود على صفحته ومدّ أصدقائه بالمعلومة الجديدة"

كذلك كان هناك حضور للناشر وليد أحمد الفرشيشي. الذي ذكر بأهمية ان لا يكون النشر تجارة صرفة بل إيمانا بالفكر والابداع، واستعرض فكرة انطلاق " سلسلة اركديادة" ضمن دار نشر اركاديا وھي سلسلة يشرف عليھا الشاعر عادل معيزي بكل اقتدار ونشرت إلى اليوم أكثر من سبعة عناوين.
 الفنان عادل بوعلاق أكد في كلمات المنھجي على اھمية التكاتف الإبداعي من أجل بلوغ المنتجات الفنية الاستثنائية ، مؤكدا أن التلاقي والمشاركة بين أطراف العملية الإنتاجية الإبداعية مازال متعثرا في تونس، كما اكد أن المبدعين هم صناع الثقافة، وهم صناع فجر البلد، ما يمنحهم أحقية التواجد في الفضاء العام بمعناه الواسع وبمعناه المؤسسي، من ذلك ضرورة الحضور بكثافة في دور الثقافة والنوادي ودور الشباب والمدارس والمعاهد، لأن مسؤولية بناء العقل من خلال الثقافة والإبداع والفنّ تقع على عاتقهم، كما سرد عادل بوعلاق تجربة التقاء الكلمة الهادفة التي تحمل رسالة أو موقفا أو قضية ما باللحن الموسيقي من خلال تلحينه لقصيد "الأن لي من يحتفي بقصيدتي" للشاعر المُحتفى به "عادل المعيزي" التي ادتھا " مجموعة أجراس" الموسيقية، مستذكرا باسف أن مثل هذه القصائد و الأغاني الالحان المشتغل عليها ،تخلو منها خزائن المحطات الاذاعية الوطنية ولا تُبث حتى تُهذب الذائقة الجماعية العامّة، أو على الأقل كي تترسخ في الأذهان، ثم أشار مثالا إلى موسيقى فيروز والرحابنة التّي لم تكن لتكون كذلك لولا لحظة اجتماع الكلمة واللحن والإنتاج والترويج.
أما مدير دار نشر أركاديا أحمد وليد الفرشيشي ، فتحدث عن مغامرته في بعث السلسلة الشعرية"أركاديادة" وهي اسم مشتق من اسم "الإنيادة"(باللاتينية: Aenē̆is) قصيدة فيرجيل الملحمية التي تروي سيرة البطل إنياس الطروادي، .وأكد أنهم بهذه التسمية يحاولون استعادة مكانة الشعر قياسًا بالنّصوص الكُبرى التي خلقت أمجادنا وتُحاول النظرة الكولونيالية طمسھا

 قرأ الشاعر ثلاث قصائد ضمن اللقاء هي:"لن أفتح الباب غزة تغرق سيقان اللغة" وقصيدة "صباح بشكل صحيح" من ديوان البعيدة كتاريخ راھن، وقرأ
  نص"سلالة الفاضل ساسي" من ديوان قصائد مؤقتة" .
وأختار لكم من قصيد لن أفتح الباب غزة تغرق سيقان اللغة ما يلي:
"حتى عندما يفيض النهر من القهر 
ويُغرق الظّهيرة الفضّية في متاهتها 
تصرخ النسوة:(غزّة تتبعُ دائما مجراها)
حتى عندما تنقلبُ شاحنةٌ تحمل الفلاّحات 
إلى حُقول الطماطم 
ناثرة نافورة من دمائهنّ الساخنة على المسلك الفلاحي 
ومُلقيةً احتضارهن على أكتاف الاقطاع وقُطّاع الطرق 
على أسرّة المستشفيات البعيدة تستذكر عاملة ما حدث:
كانت غزّة تمضي بنا ونحن ممدّدات في صندوقها الخلفي 
وفجأة انقلبت "

ما فتئ عادل المعيزي، يؤكد انھ من اھم شعراء البلاد، اذ لايزال يكتب بنفس الجدية والعُمق منذ
انبثاق مشروعھ الشعري حتى أنك تشعر بالحاجة لقراءة كل نصّ من نصُّوصه مرات كثيرة حتى تتفطن في كل مرة لفكرة مغايرة، دقيقة حتى لا تكاد ترى او تحس من قراءة واحدة، فنصّه هو النّص السهل الممتنع،لغتھ متينة، بسيطة في ذات الوقت. ومُعجمھ سهل لكن العلاقة بين مفردات المعجم هي المعقدة لأجل صناعة معنى بعيد التأويل وهو ما لا يتقنه إلا شاعر متمكن مارس الكتابة كثيرا وتمرس بكل آلياتها حتى صارت كشربة الماء التي تُبتلع بسهولة لكنها في ذات الوقت كل الحياة. فالشعر الأجمل هو بسيط اللغة مُعقد العلاقات التأويلية لا العكس، صعب اللغة دون ايغال في مساحة التأويل.
 آخر دواوين عادل المعيزي ديوانه هذا "البعيدة كتاريخ راهن" قصائد أفقية، وهي مجموعة من النصوص المكتوبة بطريقة تشكيلية في أغلب نُصوصها وكأنها عمارة أو بنايات كثيرة مُتراصة بعبقرية خاصّة،
 فكل قصيدة هي عملية جراحية على القلب،
  اذ كان عادل المعيزي في قصائده هذه مُهندسا معماريا في تقنية توزيع السواد على البياض وهي تقنية ظهرت خاصة مع قصيدة النثر، لكن هذه القصيدة اخترع لها الشاعر اسما آخر وهي القصيدة الأفقية، أي أنها عكس القصيدة العمودية التي عرفتها الثقافة الشعرية العربية طويلا. وكأنما يحتج على تسميتها بقصيدة النثر ويُعوضها بالقصيدة الأفقية وفي ذلك جرأة شعرية حقيقية.قصائد أفقية تتعامل مع ورقها كلوحة مُعلقة لا كصفحة من كتاب. توزيع بصري قام غالبا على أسطر غير متساوية وهو ما يُقرأ سيميائيا قراءات كثيرة وعميقة اعتمادا على العلامة السيميائية .إنه القصيد التشكيلي غالبا و هو قصيد فني ينبني على علاقة تفاعلية تمازجية بين الشعر والفن التشكيلي، فتتجسد الكلمات في ثوب لوحة بصرية ولغوية في ذات الوقت. تقرأ بصرا وتسمع على شكل كلمات، حتى أننا نجد الشاعر أحيانا يضع أسهما أو خطوطا أو ما شابه ليعبر بغير الكلمات إلى جانب الكلمات.
ففي الشعر المُعاصر خاصّة لم تختصر لغة التعبير على الكلمة فقط بل صارت لغة التعبير صمتا وفراغا ونقاطا وفواصل وجملا ناقصة تعبر عن معانٍ أكثر حتى من الجمل كاملة المعنى والأركان مثلا صفحة 114 نجد قصيدا بعنوان "الخوف الذّي..." وإن الثلاث نقاط لتعبر أكثر مما سبقها من المفردات، لأن النقاط تُعطي عددا لا يحصى من المعاني والدلالات عكس الكلمات تُعطي عددا أدنى من المعنى والدلالة. إن الشعر المُعاصر شعر الصمت قبل الكلام وشعر النقاط قبل الحروف وشعر الرسم، رسم الجمل.
بطريقة غير متساوية قبل شعر ماذا تقول هذه الجمل، فشكل الجمل سيقول أكثر، وبالتالي تتفوق في معناها التشكيلي عن معناها المضموني. 
قصائد أفقية لعادل المعيزي تناولت الكثير من الواقع تتراوح بين ايراد أسماء حقيقية لأصدقاء أو كتاب عالميين، فقد اھدى عادل المعيزي أحد نصوص مجموعتھ للشاعر أدم فتحي ، وآخر لمنظم تظاهرة أثر الفراشة بقابس خالد الحمروني، كما اشار الى بعض الروايات العالمية مثلما فعل في نص"هيا نشتر شاعرة" وفيھ إحالة على رواية الروائي البرتغالي أفونسو كروش "هيا نشتر شاعرا" لكن لماذا حول الشاعر. الشاعر شاعرة؟ لعله تأويلا لما تحمله تاء التأنيث من خصوبة أكثر دوما حتى في عالم الشعر.وربما لأن هذا العالم المتوحش صار يحتاج رقة تاء التأنيث خاصّة. ألم يقل الشاعر اللبناني أنسي الحاج "العالم تنقصه "أنوثة "⁦. لعل ذلك ما جعل عادل المعيزي يضيف تاء التأنيث لفكرة أفونسو كروش. لكن قفلة النّص كانت قفلة مفاجأة وصادمة وهي قفلة ناجحة لقصيد نثري أو أفقي كما يسميه الشاعر، فكل شيء ينقصه شاعرة، لكن في النهاية الشاعرة ينقصها شيء واحد هي الخطى البيضاء للشاعر. بالتالي تعود الدائرة الشعرية لتُغلق على شاعر لا شاعرة.
عرج الشاعر كذلك في بعض نصوصه على أحداث عالمية كحرب غزة وفيروس كورونا. واستقلال البلاد التونسية. كذلك العائلة الابن مجازا والابنة مايا المعيزي كانت حاضرة باسمها الشاعري الجميل، فكانت بذلك قصائد الديوان قصائد موسوعية عرجت تقريبا على عدد لا يُحصى ولا يُعد من المواضيع والقضايا الوجودية والإنسانية والوطنية...

من المقاطع التي شدتني أكثر من غيرها وتميزت بالتكثيف والإيجاز والعمق :

"بعد آلاف السّنين 
عندما ينبُش المُؤمنون بي قبري 
سيعثرون على بُحيرة مُشعة 
خبأتها في جسدي 
طوال حياتي"

"حدّق مليّا في تقرّح الخوف 
اسمُك ينتظر في المرعى/في أجساد النّبانات/ في بيوتها 
على أي رصيف 
أن تهمس له في العتمة 
تهمس له 
نورا بدويا "

"حين أتذكرك 
يمتلأ قلبي حتى ضفتيه 
ولا يدرك المصب"

سعداء بمواكبتنا لهذا اللقاء ضمن مدينة نسعى أن تكون ثقافية بإمتياز. وضمن أنشطة ثقافية محبوكة بدقة وفنّ، احتراما لكل الفنّون ومنها الشعر، في زمن صار فيه الشعراء أكثر من الشعر، وصار من الصعب أن نحضر بالفعل لقاء شعريا حقيقيا يشتغل على الشاعر الإنسان قبل الشاعر الاسم والشاعر الشهرة والشاعر الظهور، إن صفة الشعر كثرت وحالاته الحقيقية تقلصت، لكن الشاعر عادل المعيزي هو الإثنين معا، شاعر حالة وشاعر له اسم نقش بجدية منذ التسعينات إلى اليوم.

تعليقات