مقال|| الدبلوماسية الذكية___تونس نموذجا__بقلم محمد الصغير بوزياني


في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة وتندلع فيه الحروب الاقتصادية والعسكرية دون سابق إنذار، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بالعتاد العسكري و قوة الردع، بل بقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية بذكاء و حبكة، وهنا يبرز مفهوم الدبلوماسية الذكية، وهي التي تقوم على التوازن و الرصانة، وعدم الدخول في صراعات المحاور، وبناء علاقات مع الجميع دون عداوات مكلفة. و بذلك تعد تونس من الدول التي يمكن أن تنجح في هذا النموذج إذا أحسنت استغلال موقعها الجيوسياسي
الدبلوماسية الذكية لا تعني الحياد السلبي بل تعني الحياد النشط المخاتل بمعنى أن تحافظ الدولة على علاقات جيدة و متينة مع مختلف الأطراف المتصارعة، وأن تلعب أحيانا دور الوسيط بدل أن تكون طرفا في الصراع. فالدولة الصغيرة أو المتوسطة لا مصلحة لها في الدخول في محاور دولية أكبر من حجمها، لأن ثمن الصراعات يكون غالبا اقتصاديا باهض الفاتورة قبل أن يكون عسكريا، من ارتفاع الأسعار إلى نقص الطاقة والمواد الأساسية.
إن مصلحة تونس الحقيقية تكمن في تنويع شركائها الاقتصاديين، وعدم الاعتماد على دولة واحدة في الغذاء أو الطاقة أو الاستثمار، إضافة إلى تقوية علاقاتها العربية والإفريقية والأوروبية في نفس الوقت. فكلما تعددت الشراكات، زادت قدرة الدولة على الصمود و الثبات في الأزمات العالمية. كما أن الدبلوماسية يمكن أن تكون وسيلة لجلب الاستثمارات وفتح الأسواق للمنتجات التونسية، وليس فقط نشاطا سياسيا كلاسيكيا.
الدبلوماسية الذكية أيضا قد تحتاج إلى استقرار سياسي داخلي واقتصاد منتج لا إقتصاد مستهلك، لأن الدولة الضعيفة اقتصاديا لا يمكن أن تكون قوية دبلوماسيا أبدا. لذلك فالعلاقة بين الاقتصاد والدبلوماسية علاقة مباشرة لا تقبل القسمة على إثنين. اقتصاد قوي يعني قرارا سياديا أقوى، ودبلوماسية أكثر استقلالية.
وفي عالمنا الوقح اليوم، قد تربح دولة حربا بالسلاح، لكن دولاً أخرى تربح الحروب دون أن تطلق رصاصة واحدة، فقط بذكاء سياستها الخارجية. ولهذا يمكن القول إن مستقبل الدول لم يعد يصنع فقط في الثكنات العسكرية،و لا بالأسلحة المرعبة بل أيضا قد يهندس في مكاتب الدبلوماسيين، حيث تدار المصالح بهدوء كي تجنب الشعوب ويلات الحرب. وهنا يمكن لتونس أن تكون نموذجا للدبلوماسية الذكية إذا جعلت مصلحتها الوطنية فوق كل اعتبار.

#محمد_الصغير_بوزياني

تعليقات