ارتجافات ناي
-ألا تشتاقين...؟
يجيئها الصوت كحفيف وريقات غصن ألهبتها انتظارات كف الرياح، كخرير ساقية أظمأها التوق إلى ضم الجذور الموؤودة في طيات الأديم، المحمومة عشقا للحياة...
يجيء الصوت كأنه رجع صدى لنايات الذاكرة.
تمضي النظرات لهفى إلى نبع الصدى، كمريد أثملته نداءات المآذن وآهات المجالس في سكرات الدجى...
تمضي مفتونة، مجنونة، لكنها ترتطم بجدارات الخواء.
تتدافع الخطوات كانها تتسابق لاكتمال الدائرة...
يدور الجسدبحثا عن نبع الصدى، والنظرات حوله تجول، تخالها تراقص نايات الهوى.
يدور الجسد، والدنيا في لهيب الفؤاد تدور.
يدور، والحلقة حوله تضيق كمقصلة تكز على أسنانها، تجز أنفاسا تاقت يوما على حدود الجِلد أن تثور...
يتدافع الناس في الرقص على قارعة الطريق، وتلك الخطى تتدافع في الزحام، تتغرغر بالصدى، تتغرغر بمتاهات الضيق، بارتجافات آن عقيل تجفله انسكابات المدى...
ويمتلئ العمر بلحظة واحدة، هي الوجود، ما قبلها سراب أنفاس، وما بعدها زبد طريح على ضفاف الحياة...
ويحدث أن يصير التيه مشتهى، رحلة نحو الخلاص من عقالات الممكنات، من حدود المرتجى، من مقولات الفناء...
يقذفها الزحام إلى الطريق، تتجفف بالشمس المنسكب أتونها جمرا دافقا، من سيل السؤال، ثم تهرع إلى ظل جدار خرب...
" أمرادي أينك... أضناني الحنين؟
لا فيء لي إلاك، ولا وصال يخمد في النبض الحريق...
ولا ظل لخطانا الرجيفة تلك، آن عانقت الحلم في الطريق..."
- أحبيبة أنى ترحلين...؟
يجيء الصوت كنايات الفجر الندي، هلوعا، منسكبا عبوسا نديا، رهيفا شجيا...
وتمضي نظراتها تتقفى الصدى، كانها اليرقات يأسرها عشق الضياء، تصعد مراقي الشوق، تعانق قامته المنتصبة أعلى من كل الرؤوس المتراقصة على قارعة الطريق...
على صفحة وجهه تتربع الشمس فتتدافع ظلال العمر ساجدة أمامها.
كم بدا هرما منهكا!
- بل العمر عنا يرتحل إلى المنتهى، أمرادي...
اترانا نطرحه طرح الحية جلدها، أم يسّاقط عنا كوريقات الخريف؟
أترانا ننحدر نحو سحيقه أمرادي، أم تراه بسحيقنا عنا يرتحل...؟
ويجيء الصوت غيثا بالوصال ماطرا:
- أحبيبة ما الانحدار؟ أتراه نشوة الإبحار في حلك الدجى، ضياءات المنارات البعيدة تفتنك، وارتجافات الجزع من صخرة جامحة تشق صدر المركب تسكنك...؟
أنى ننحدر، أحبيبة، كحلم صخر يصّعد نحو الفناء، كحبتين في كثيب رمل بهما يرفرف السيل بعيدا بعيدا، وهما تثملان بوعود الرواء...؟
وبالصمت يتغرغر القصيد...
ولا طلق للقافية...
لست وحدك من خرق الطريق إلى الحريق...
لست وحدك من بالشهد اشترى علقم انتظارات المنى...
لست وحدك، ولست لك طوق التمني للغريق...
ولست وحدي... معي ريشة من رماد البدء والمنتهى.
________ زهرة خصخوصي؛ أكتوبر 2021
تعليقات
إرسال تعليق