الخطاب الأخير ..
تهادى الشيخ الضرير على الرصيف يلتمس بعض التريٓض بعيدا عن سريره في تلك الزاوية من الغرفة ..
رافقه ولده سالم .. يأخذ بيده و يميط عن خطواته الأذى .. و يستريح معه كلما تعب تحت ظل شجر الزيتون ..
-يا سالم هل رأيت أخاك الشاذلي اليوم ؟
- لم أره يا أبي ..لا ريب أنه منشغل ..
يهمهم الشيخ بكلمات نصفها مكتوم .. ثم يعود يتذكر سنة مرض الشاذلي الكبير و انبعاثه بعد ذلك للحياة تارة أخرى ..ثم يبتسم و هو يتوجه الى سالم ..
- أو تذكر كيف احتفلنا و كيف أوفينا النذر و كل الناس ممن نعرف يلتقون عندنا في ليلة مشهودة ..
أمٓن سالم على كلامه ، ثم حرف الحديث عن هجرة الشباب من القرية الى اوربا و عن هجرة أخرى إلينا تأتينا فجأة .. و كأن الوطن يستبدل أهله بآخرين ..
صمت الشيخ قليلا .. وهو يتحسس طرف الرصيف بعصاه .. ثم أخبر ولده عن حكايات من هجرة داخل الوطن رافقت سنوات اليتم و الفقر و الاستعمار ..
و عاد يبتسم من طرفة فدان الفول و المعمٓر الفرنسي يلقي القبض على ابن خالته العروسي و هو يهم بالخروج من فدان الفول محملا بقفة من القرون المكتنزة ليجبره على تناولها ..
ساد الصمت قليلا بعد ضحك مترع بالذكرى و الحنين ..
ثم عاد يسأل ..
- ترى ما بال الشاذلي لم يزرني منذ ثلاثة أشهر ..
لم يوفق سالم في طمس هذا السؤال من خاطر أبيه الشيخ .. و عاد الحرج يسم كل كلامه و حركاته و لم يجد بدا من انكار معرفته بأسباب هذا النسيان ..
هنا توقف الشيخ ..
و قال: قل لأخيك عندما تلتقيه " لا تخبر أخوتك عن قطيع الغنم الذي وهبتك إياه حتى لا يطمعوا فيك و تلك الحلي خبئها للملمات ..
جمعني الله و اياك في مقام الرحمة ..
اشتقت إليك و لكنني أعذرك .. أشغالك لا تنتهي ..
عندما أنهى الشيخ كلامه فطن الى أنه كشف سره فعاد يجمٓل الموقف و يبرره ..
ابتسم سالم ثم أخبره بأنه سيبلغ الرسالة و لن يكشف شيئا لإخوته ..
تلك الليلة نام الشيخ و أصبح مكروبا من المرض و قد غشيه صمت لم يقل بعده كلمة حتى مات ..
و لم يأت الشاذلي إلا كما أتى المعزٓون ..
__ لزهر عبيدي ___

تعليقات
إرسال تعليق