الخطاب الأخير||قصة قصيرة بقلم ___الأزهر عبيدي---تونس

 

الخطاب الأخير ..

تهادى الشيخ الضرير على الرصيف يلتمس بعض التريٓض بعيدا عن سريره في تلك الزاوية من الغرفة .. 

رافقه ولده سالم .. يأخذ بيده و يميط عن خطواته الأذى .. و يستريح معه كلما تعب تحت ظل شجر الزيتون .. 

-يا سالم هل رأيت أخاك الشاذلي اليوم ؟ 

- لم أره يا أبي ..لا ريب أنه منشغل ..

يهمهم الشيخ بكلمات نصفها مكتوم .. ثم يعود يتذكر سنة مرض الشاذلي الكبير و انبعاثه بعد ذلك للحياة تارة أخرى ..ثم يبتسم و هو يتوجه الى سالم .. 

- أو تذكر كيف احتفلنا و كيف أوفينا النذر و كل الناس ممن نعرف يلتقون عندنا في ليلة مشهودة ..

أمٓن سالم على كلامه ، ثم حرف الحديث عن هجرة الشباب من القرية الى اوربا و عن هجرة أخرى إلينا تأتينا فجأة .. و كأن الوطن يستبدل أهله بآخرين ..

صمت الشيخ قليلا .. وهو يتحسس طرف الرصيف بعصاه .. ثم أخبر ولده عن حكايات من هجرة داخل الوطن رافقت سنوات اليتم و الفقر و الاستعمار ..

و عاد يبتسم من طرفة فدان الفول و المعمٓر الفرنسي يلقي القبض على ابن خالته العروسي و هو يهم بالخروج من فدان الفول محملا بقفة من القرون المكتنزة ليجبره على تناولها ..

ساد الصمت قليلا بعد ضحك مترع بالذكرى و الحنين .. 

ثم عاد يسأل ..                                                      


- ترى ما بال الشاذلي لم يزرني منذ ثلاثة أشهر .. 

لم يوفق سالم في طمس هذا السؤال من خاطر أبيه الشيخ .. و عاد الحرج يسم كل كلامه و حركاته و لم يجد بدا من انكار معرفته بأسباب هذا النسيان .. 

هنا توقف الشيخ .. 

و قال: قل لأخيك عندما تلتقيه " لا تخبر أخوتك عن قطيع الغنم الذي وهبتك إياه حتى لا يطمعوا فيك و تلك الحلي خبئها للملمات .. 

جمعني الله و اياك في مقام الرحمة .. 

اشتقت إليك و لكنني أعذرك .. أشغالك لا تنتهي ..


عندما أنهى الشيخ كلامه فطن الى أنه كشف سره فعاد يجمٓل الموقف و يبرره .. 

ابتسم سالم ثم أخبره بأنه سيبلغ الرسالة و لن يكشف شيئا لإخوته .. 

تلك الليلة نام الشيخ و أصبح مكروبا من المرض و قد غشيه صمت لم يقل بعده كلمة حتى مات .. 

و لم يأت الشاذلي إلا كما أتى المعزٓون .. 

__ لزهر عبيدي ___

تعليقات