أخيط ضوئي للشاعرة آلاء بوعزيز بقلم الكتابة|| أسمهان الماجري___تونس
أخيط ضوئي للشاعرة آلاء بوعفيف
بقلم أسمهان الماجري تونس
أخيط ضوئي، ديوان قصيدة نثر للشاعرة آلاء بوعفيف، ديوان زاخر بالتفاصيل اليومية والبسيطة، ديوان يؤسس لعلاقة ضرورية بين الذات الشاعرة وفعل الكتابة، حتى أننا نجد بعض قصائد الديوان بمثابة البيان الشعري المُبرر لهذه العلاقة خاصّة في قصيد "قصيدة نثر" تكتب آلاء بأسلوب مبسط لكن عميق، اللغة سهلة لكن بمجازات صعبة وإن بانت في قراءتها الأولى سهلة، تكتب آلاء بأسلوب السهل الممتنع. ففي قصيدة قصيدة نثر مثلا تكسر ألاء بوعفيف النمط التقليدي للشعر، وتحطم باللغة الفكرة القديمة عنه. وفي هذا القصيد تحديدا تخلق آلاء إيقاعا خارجيا ولكن عكسي، حيث يكون أول النص لا آخره كما أحب أن أصفه، فنجدها تكرر حرف الجر " من" في الكثير من الأسطر، ونسبت كل الأفعال في هذا القصيد لضمير نحن، لا ضمير الأنا، فضمير نحن يحيل على قضية شعرية جماعية لا فردية، وهي قضيّة قصيدة النثر.
تتناول الشاعرة بالمجازات والاستعارات الكثير من عالم المرأة الأنثى من ذلك فعل الولادة بما يحمله من خصوبة ورمزية، وغالبا ما يتجاوز فعل الولادة المعنى البيولوجي مجازيا إلى معان صوفية وروحية ووجدانية ووجودية أعمق من فعل الولادة الإنساني، نحو فعل الولادة المتعدد، ولادة الأنثى لطفل، وولادة الشاعرة لنص.
ففي قصيدة " حين تأخر الشعر وجاءت هي" نجد الولادة البيولوجية انتصرت على الولادة الإبداعية الشعرية، فحين حدث الحمل البيولوجي، هجر الشعر الشاعرة لزمن قصير، أو هكذا ظنت في البداية، لكن بعدها اعترفت شعريا ب "هي شعر يُكتب على مهلٍ
لا يترك أثرا على الصخر أو الغيم
يترك فراغا كبيرا في رحمي
حين ينزل دفعة واحدة
ويُكتب في عدّة صورٍ.
نلاحظ تحول معنى الشعر، من جسد مجازي إلى جسد إنساني بيولوجي هو الابنة.
كذلك نص " ما أراه بعد الماء " نصّ يضج بأمومة خصبة، أمومة بيولوجية تتفوق مجددا عن الأمومة الإبداعية في الظاهر،" لا تعنيني القافية ولا المجازات
فلا استعارة في هذا الحرّ
ولا عبارة أسمّى"
لكن في الباطن جراء هذه الأمومة الجميلة يولد نص شعري جميل، رغم أن الشاعرة وكأنها صارت تعترف بأمومتها البيولوجية أكثر لكن لم تكن لتستطع ذلك لولا الشعر. نص منه المقطع السابق. وتوظف الشاعرة تيمة المطر في هذا القصيد ليس كمجرد طقس، بل كمحفز عاطفي ورمز للخصوبة والأمومة رمزا للأنثى. خالقة الحياة من خلال فعل الولادة.
والشاعرة في حد ذاتها كانت طفلة، وكلنا كنا أطفالا، لذلك الشاعر تحديدا لا يستطيع تجاوز طفولته مهما كبر ويظل يتحدث عنها دوما كشيء ملازم لذاكرته ولو بلغ من العمر المئة، يقول غاستون باشلار في كتابه شاعرية أحلام اليقظة ترجمة جورج سعد في الصفحة 89 "الطفل يرى بعين كبيرة جميلة، والتأملات نحو الطفولة تعيدنا إلى جمال الصور الأولى" وذلك ما نجده في قصائد آلاء خاصّة قصيدة "عرائس السكر" التي تسترجع فيها أيام طفولتها داخل البيت العائلي الدافئ، مختزلا خاصّة في صورة الأم، صورة الأم في الشتاء البارد بكانونها الدافئ، صورة الخبز الساخن إلخ يقول غاستون باشلار في نفس الكتاب الصفحة 102" ليس للذكرى الصافية تاريخ، إن لها فصلا، إن الفصل هو الطابع أو الدفعة الأساسية للذكريات" كان فصل الشتاء بالنسبة لآلاء بوعفيف محرك ذكريات قديمة ذكريات طفولة أعادت صياغتها شعرا. تقول الشاعرة في الصفحة 21 من الديوان من قصيدة عرائس السكر " حين كنت صغيرة
كان المطر فرصة لامتلاء "الكانون"
بأقراص الخبز الصّغيرة
كان البرد فرصة للدّفء
كان الدّفء أن تضحك أمّي
وكان الفرح أن أبتلع المشهد دفعة واحدة
المطر أغنيتي الحزينة
خيط شديد من الذكريات
يُغنّي ولا ينقطع "
هذه لمحة عن طفولة الشاعرة، لمحة تشرح سيسيولوجيا ونفسيا تلك المشاعر وذلك الحنين المرتبط بزمن ما، وبعمر ما مرتبط بالبساطة والبراءة وغياب لأي ضغوطات أو ما شابه يقول غاستون باشلار في نفس الكتاب عن الطفولة في هذا السياق وفي الصفحة 108 " في تأملاتنا نحو الطفولة في القصائد التّي نود جميعنا كتابتها لكي نحي تأملاتنا الأولى، لكي نستعيد عوالم السعادة، تظهر الطفولة في أسلوب سيكيولوجيا الأعماق نفسه، وكأنها أنموذج مثالي حقيقي، أنموذج السعادة البسيطة الحقيقية، بلا ريب إنها صورة فيما"
ديوان آلاء مليء باليومي بالذكريات بالتالي بالماضي، وهذا الماضي نسبة كبيرة منه الطفولة،وكشاعرة أيضا أرى أن الحساسية المفرطة للشعراء صورة من صور امتداد طفولتهم على كامل سنوات حياتهم مهما كبروا. وأغلب الشعراء كتبوا عن حساسيتهم المفرطة وهشاشتهم التي تكمن فيها أطنان من الرقة وآلاء منهن ومنهم، حيث تعبر عن ذلك بعمق في قصيد "هشاشة"
"هشّة كحروف الكلمة
أعترف بحقيقتي
مُعرضة للبكاء لمُجرّد أن يوجعني حذاء ضاق عليّ "
وأنا أقرأ هذه الأسطر ضحكت، ثم دمعت عيني، استرجعت ذكريات شبهة منها أنني مرة بدأت بالبكاء لأن الأمطار أفسدت تسريحة شعري، إضافة لفوبيا البرق الذي داهمني خارج البيت فانهرت بالبكاء كالأطفال"
وأنا أقرأ هذه الأسطر تذكرت أخر مرة كان الممرض ينظف جرحي قبل أقل من سنة غرست وجهي في حضن أختي وبدأت ببكاء غزير قبل أن يضغ يده على الجرح أصلا.
وأنا أقرأ هذه الأسطر لآلاء شعرت أنها كتبت باسمنا جميعا الشاعرات والنساء الحساسات والهشات جدا. ليس ضعفا ولكن رقة روح لا ضعف إرادة أو شخصيّة.
لا أريد أن أطيل عليكم، هذه مصافحة أعتبرها سريعة لديوان أخيط ضوئي للشاعرة آلاء بوعفيف، والذي سيقدم هذا السبت 5 أوت بداية من السادسة بعد الزوال بالمعلم التاريخي سيدي عبد السلام بقليبية. بتنظيم من جمعية أسبيس الثقافية قليبية.



تعليقات
إرسال تعليق